في تاريخ المريخ السوداني أسماء كبيرة عبرت الملعب وتركت أثراً، لكن فيصل العجب ليس مجرد اسم في قائمة النجوم. هو حالة كروية كاملة، وذاكرة حمراء طويلة، ورمز ارتبط في وجدان الأنصار بالمتعة قبل النتيجة، وبالهيبة قبل الأرقام. لذلك لم يكن غريباً أن تمنحه جماهير المريخ لقباً يليق بمكانته:
السلطان عجبنا.
لم يكن العجب لاعباً عادياً في المريخ، ولم تكن علاقته بالجمهور علاقة هداف ومدرج فقط. كان لاعباً يصنع الفارق في لحظة واحدة، بلمسة، تمريرة، تسديدة، أو هدوء نادر أمام المرمى. من يشاهد فيصل العجب يدرك سريعاً أن قيمته لم تكن في عدد الأهداف وحدها، بل في الطريقة التي كان يمنح بها الفريق شخصية داخل الملعب.
البداية والطريق إلى القلعة الحمراء
ولد فيصل العجب سيدو تية في الخرطوم بحري، وبدأت موهبته تظهر مبكراً قبل أن ينتقل إلى المريخ في نهاية التسعينات، في واحدة من أكثر الصفقات التي بقيت حاضرة في ذاكرة الكرة السودانية. جاء إلى القلعة الحمراء من كوبر، لكنه لم يدخل المريخ كوافد عادي؛ دخل كموهبة مختلفة، ثم تحول مع السنوات إلى قائد وواجهة ورمز.
امتلك العجب خليطاً نادراً بين لاعب الوسط المهاجم والمهاجم الثاني. كان قادراً على صناعة اللعب، التحرك بين الخطوط، التسديد من خارج المنطقة، التسجيل داخل الصندوق، وقيادة الهجمة بذكاء. طوله وقوته منحاه حضوراً بدنياً، وموهبته منحته تلك اللمسة التي جعلت المدرجات تنتظر الكرة عند قدميه قبل أن تنتظر الهدف.
أسلوب لعب لا يتكرر كثيراً
تميز فيصل العجب بأنه لم يكن لاعباً سريعاً بالمعنى التقليدي، لكنه كان أسرع من الآخرين في القرار. يعرف متى يمرر، متى يهدئ اللعب، ومتى يضرب مباشرة. كان يلعب بعقل لاعب كبير، لا يحتاج إلى حركة كثيرة حتى يفرض وجوده. أحياناً كانت لمسة واحدة منه تكفي لفتح دفاع كامل، وأحياناً كانت تسديدة واحدة تغير مسار مباراة.
فيصل العجب كان من نوعية اللاعبين الذين يمنحون الفريق وزناً نفسياً. وجوده في التشكيلة كان يرفع ثقة زملائه ويزيد قلق الخصم. لم يكن مجرد منفذ للفرص، بل كان لاعباً يغير شكل المريخ في الملعب. عندما يكون العجب في يومه، يصبح المريخ أكثر هدوءاً، أكثر خطورة، وأكثر قدرة على صناعة اللحظة الحاسمة.
العجب والمريخ.. خمسة عشر عاماً من الحضور
قضى فيصل العجب سنوات طويلة داخل المريخ، ارتبط خلالها بأهم لحظات الفريق في الدوري والكأس والمنافسات الخارجية. خلال تلك الفترة أصبح قائداً داخل الملعب وخارجه، وواحداً من أكثر اللاعبين تأثيراً في الجيل الذي أعاد للمريخ حضوره المحلي والقاري.
حقق العجب مع المريخ ألقاباً محلية كبيرة، منها عدة بطولات في الدوري السوداني الممتاز، إلى جانب عدد معتبر من ألقاب كأس السودان. هذه البطولات لا تختصر قيمته، لكنها تؤكد أنه لم يكن نجماً فردياً معزولاً عن الإنجاز الجماعي. كان لاعب ألقاب، ولاعب مباريات كبيرة، ولاعب لحظات صعبة.
في المباريات المحلية، كان العجب أحد أكثر الأسماء التي تخشاها الدفاعات. وفي مباريات القمة أمام الهلال، صنع لنفسه مكانة خاصة، لأنه لم يكن يحضر في المباريات العادية فقط، بل كان يعرف كيف يترك بصمته عندما تكون العيون كلها شاخصة نحو الملعب.
أرقام تؤكد المكانة
تختلف بعض المصادر في تفاصيل أرقام فيصل العجب بسبب ضعف التوثيق الرقمي لبعض مراحل الكرة السودانية، لكن الثابت أن الرجل يقف ضمن أعظم الهدافين في تاريخ المريخ والكرة السودانية. تذكر إحصاءات متداولة أنه سجل أكثر من 100 هدف في الدوري الممتاز، وأنه بلغ أرقاماً كبيرة مع المريخ جعلته الهداف التاريخي للنادي في كثير من الروايات الرياضية.
ومن أبرز الأرقام المنسوبة إلى مسيرته أنه سجل 112 هدفاً في الدوري السوداني الممتاز، و170 هدفاً رسمياً بقميص المريخ، وتجاوز 200 هدف في مسيرته مع المريخ وكوبر. كما تذكر مصادر رياضية أنه كان من أبرز هدافي السودان في بطولات الأندية الأفريقية، برصيد وصل إلى 20 هدفاً، وهي أرقام تضعه في مقام خاص لا يقاس بالانطباع الجماهيري وحده.
نال العجب لقب هداف الدوري السوداني الممتاز أكثر من مرة، وبرز اسمه في مواسم مختلفة كأحد أكثر اللاعبين حسماً أمام المرمى. لم يكن هدافاً صريحاً فقط، ولم يكن صانع ألعاب فقط؛ كان لاعباً يجمع بين الدورين، لذلك تبدو أرقامه أكثر قيمة لأنها جاءت من لاعب يتحرك في مساحات متعددة، لا من مهاجم صندوق تقليدي.
القائد في أفريقيا
على المستوى القاري، ارتبط اسم فيصل العجب بواحدة من أهم محطات المريخ الحديثة: الوصول إلى نهائي كأس الكونفدرالية الأفريقية عام 2007. كان ذلك المشوار علامة فارقة في تاريخ النادي، لأنه أعاد المريخ إلى واجهة المنافسات الأفريقية ومنح جماهيره شعوراً بأن الفريق قادر على الذهاب بعيداً خارج الحدود.
لم يكن مشوار الكونفدرالية مجرد نتائج، بل كان اختباراً لشخصية الفريق. في مثل هذه البطولات لا يكفي اللعب الجميل، ولا تكفي الجماهير، بل يحتاج الفريق إلى قائد قادر على تثبيت المجموعة في اللحظات الصعبة. وكان العجب من هؤلاء اللاعبين الذين يمنحون الفريق الاتزان في مباريات الضغط العالي.
في تلك المرحلة، كان المريخ يملك أسماء كبيرة، لكن العجب كان رمز القيادة الفنية. تمريراته، أهدافه، حضوره، وخبرته جعلت منه واحداً من أهم ملامح ذلك الجيل. وحتى بعد خسارة النهائي، بقي الوصول نفسه إنجازاً محفوظاً في الذاكرة، وبقي العجب أحد وجوه ذلك المشوار.
فيصل العجب والمنتخب السوداني
لم تكن قيمة العجب محصورة في المريخ. مع منتخب السودان، حمل اللاعب جزءاً من عبء جيل حاول إعادة المنتخب إلى الواجهة الأفريقية. شارك في مباريات دولية مهمة، وسجل أهدافاً مؤثرة، وكان من الأسماء التي ارتبطت بعودة السودان إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية.
تسجل له بعض قواعد البيانات الدولية 47 مباراة دولية و18 هدفاً، وهي حصيلة تؤكد أنه لم يكن نجماً محلياً فقط. أما في الذاكرة السودانية، فالعجب واحد من أبرز من حملوا قميص المنتخب في زمن صعب، وواحد من اللاعبين الذين منحوا الجماهير أملاً بأن الكرة السودانية قادرة على إنتاج نجوم كبار رغم ضعف البيئة والتوثيق والإمكانات.
العجب في مباريات القمة
تزداد قيمة اللاعب في المريخ عندما يحضر في القمة. مباريات الهلال والمريخ لا تشبه أي مباراة أخرى في السودان؛ هي اختبار للشخصية، والهدوء، والقدرة على اللعب وسط ضغط جماهيري ونفسي هائل. فيصل العجب كان من اللاعبين الذين يعرفون لغة هذه المباريات.
تذكر مصادر رياضية أنه من أبرز هدافي القمة في الألفية الجديدة، وأنه سجل عدة أهداف في شباك الهلال. لكن الأهم من الرقم أنه كان لاعباً يدخل القمة بثقة واضحة. لا يستعجل، لا يختبئ، ولا يترك المباراة تمر دون أثر. كان يعرف أن القمة تحتاج إلى لاعب يملك أعصاباً باردة، لا مجرد موهبة.
لماذا أحبه جمهور المريخ؟
أحب جمهور المريخ فيصل العجب لأنه كان يشبه صورة اللاعب الذي يحلم به المدرج: موهوب، هادئ، حاسم، وفيّ، ولاعب كبير في المباريات الكبيرة. لم يكن صاخباً خارج الملعب، ولم يكن كثير المشاكل، بل ترك الكرة تتحدث عنه. وهذه نقطة مهمة في سيرته؛ فقد ظل حضوره الجماهيري قائماً على الأداء والاحترام لا على الضجيج.
لقب “السلطان” لم يأت من فراغ. السلطان في ذاكرة المدرج هو اللاعب الذي يحكم منطقة التأثير. والعجب كان يحكم تلك المنطقة بطريقته: يهدئ اللعب حين يحتاج الفريق للهدوء، يرفع النسق حين يرى المساحة، ويسجل عندما تضيق الخيارات. لذلك لم يكن مجرد نجم، بل كان مزاجاً كروياً خاصاً عند جماهير المريخ.
ما بعد المريخ
بعد نهاية فترته الطويلة مع المريخ، لم تختفِ قيمة العجب. انتقل إلى محطات أخرى مثل مريخ الفاشر، وهناك أكد أن علاقته بالكرة لم تكن مرتبطة فقط بمجد القلعة الحمراء. لكنه ظل، مهما ارتدى من قمصان، محسوباً في الذاكرة على المريخ. بعض اللاعبين يرحلون من النادي، لكن النادي لا يرحل منهم، والعجب من هذا النوع.
حتى عندما واجه المريخ بقميص آخر، بقي الاحترام حاضراً بينه وبين المدرجات. هذه التفاصيل تصنع الفارق بين لاعب لعب للنادي، ولاعب صار جزءاً من وجدانه.
مكانته التاريخية
عند الحديث عن أعظم لاعبي المريخ، لا يمكن تجاوز فيصل العجب. وعند الحديث عن أكثر لاعبي السودان موهبة وتأثيراً في العقود الأخيرة، لا يمكن تجاهل اسمه. هو من القلة الذين جمعوا بين الشعبية، الأرقام، البطولات، القيادة، والحضور الفني.
قيمته لا تقف عند كونه هدافاً أو قائداً أو صانع ألعاب. قيمته في أنه مثّل جيلاً كاملاً من أحلام المريخيين. كان اللاعب الذي ينتظره الجمهور عندما تتعقد المباراة، والاسم الذي يمنح الفريق أملاً حتى عندما تضيق المساحات وتتعثر الحلول.
خلاصة
فيصل العجب ليس مجرد فصل في تاريخ المريخ، بل عنوان من عناوينه الكبيرة. لاعب حمل موهبة سودانية خالصة، وصاغها داخل القلعة الحمراء إلى إنجاز وأهداف وذكريات. قد تختلف المصادر في بعض الأرقام، لكن لا خلاف على الجوهر: العجب أحد أعظم من لبسوا شعار المريخ، وأحد أكثر لاعبي السودان تأثيراً في الذاكرة الجماهيرية.
سيبقى في ذاكرة الأنصار كما أحبوا أن ينادوه: السلطان عجبنا. لاعب لا تختصره الأرقام، وإن أنصفته الأرقام كثيراً. لاعب كان كلما لمس الكرة، شعر المدرج أن شيئاً مختلفاً يمكن أن يحدث.