دخل المريخ سوق الانتقالات برسالة واضحة: الفريق لا يبحث عن ترميم محدود، بل عن إعادة تشكيل العمود الفقري بمنظومة أجنبية شابة وقادرة على حمل الفريق لسنوات قادمة. التعاقد مع الكاميروني ويلفرد ناثان دوالا، والغاني إينوك موريسون، والمالي إبراهيما تراوري حتى 2029، لا يمكن قراءته كصفقات منفصلة، بل كاتجاه فني يستهدف وسط الملعب بكل طبقاته: صناعة اللعب، الربط، والافتكاك.
اللافت في هذه التحركات أن المريخ ركز على مناطق ظل يعاني منها أي فريق يريد المنافسة القارية. كثير من الفرق تمتلك مهاجمين وأجنحة، لكن الفارق الحقيقي في إفريقيا يُصنع في وسط الملعب. من يتحكم في الإيقاع، يكسر الضغط، يربط الخطوط، ويمنع التحولات السريعة، يملك فرصة أكبر في الذهاب بعيدًا. لذلك تبدو هذه الصفقات أقرب إلى بناء مركز قيادة داخل الملعب، لا مجرد إضافات عددية.
صفقة ويلفرد ناثان دوالا تمنح المريخ لاعبًا بخصائص مختلفة في الثلث الهجومي. الفريق احتاج كثيرًا إلى صانع ألعاب يخرج بالكرة من مناطق الضغط، ويمنح المهاجمين تمريرات بينية، ويكسر الرتابة عندما تُغلق المساحات. وجود لاعب بهذه الطبيعة قد يغير شكل المريخ هجوميًا، بشرط ألا يُترك معزولًا بين خطوط الخصم. صانع اللعب لا ينجح وحده؛ يحتاج إلى حركة من الأجنحة، مهاجم يعرف فتح الزوايا، ومحور قادر على تمرير الكرة للأمام لا للخلف فقط.
أما إينوك موريسون، القادم من جورماهيا الكيني، فيمثل صفقة ذات بعد تنافسي واضح. اللاعب جاء من بيئة لعب قوية بدنيًا، ومن فريق معتاد على الضغط الجماهيري والمنافسة. أهم ما يمكن أن يضيفه موريسون للمريخ هو الشخصية داخل الوسط. اللاعب القادم من موسم ناجح لا يدخل غرفة الملابس كلاعب يبحث عن تعريف نفسه، بل كلاعب يملك ثقة وتجربة وقدرة على فرض حضوره. هذه النوعية يحتاجها المريخ، خاصة في المباريات التي لا تُحسم بالمهارة فقط، بل بالقوة الذهنية والتعامل مع الضغط.
صفقة المالي إبراهيما تراوري تبدو الأكثر أهمية من الناحية التكتيكية، رغم أنها قد لا تكون الأكثر ضجيجًا جماهيريًا. متوسط الميدان الدفاعي هو صمام أمان أي مشروع فني. إذا نجح تراوري في حماية العمق، وقطع الكرات الثانية، وتغطية تقدم الأظهرة، فإن المريخ سيكسب توازنًا افتقده في مباريات كثيرة. الفريق الذي يريد أن يهاجم يحتاج أولًا إلى لاعب يمنع انكشافه عند فقدان الكرة. هنا تحديدًا تظهر قيمة المحور الدفاعي.
من حيث التوزيع الفني، تبدو الصفقات الثلاث منطقية. دوالا يمنح الحل الإبداعي، موريسون يمنح الطاقة والشخصية والربط، وتراوري يمنح الحماية والاتزان. هذه الثلاثية إذا وُظفت بشكل صحيح يمكن أن تصنع وسطًا أكثر قوة ومرونة، وتمنح المدرب خيارات متعددة بين اللعب بمحورين، أو محور دفاعي واحد أمامه لاعبان، أو الاعتماد على صانع لعب حر خلف المهاجم.
لكن نجاح الصفقات لا يتوقف على جودة الأسماء. المريخ عانى سابقًا من مشكلة أكبر من اختيار اللاعبين: غياب الفكرة الواضحة حول كيفية استخدامهم. اللاعب الأجنبي لا ينجح بمجرد التوقيع، ولا بمجرد الحماس الجماهيري. يحتاج إلى مدرب يعرف خصائصه، وإدارة توفر الاستقرار، وبرنامج بدني وفني يساعده على التأقلم، وجمهور يمنحه وقتًا كافيًا قبل إصدار الأحكام.
العقود الممتدة حتى 2029 تعطي مؤشرًا إيجابيًا من ناحية التخطيط بعيد المدى، لكنها في الوقت نفسه تضع مسؤولية أكبر على النادي. العقد الطويل مع لاعب أجنبي يجب أن يكون مبنيًا على دراسة دقيقة، لا على الانطباع أو الفيديوهات أو ضغط السوق. إذا كانت الاختيارات صحيحة، فالمريخ كسب نواة يمكن البناء عليها لسنوات. وإذا غابت الإدارة الفنية الصارمة، فقد تتحول العقود الطويلة إلى عبء.
الأهم الآن أن لا يتعامل المريخ مع هذه الصفقات باعتبارها نهاية العمل، بل بدايته. الفريق يحتاج إلى دمج سريع ومنظم، مباريات تحضيرية قوية، تحديد أدوار واضحة، وربط هذه الأسماء ببقية العناصر المحلية. لا فائدة من صانع ألعاب إذا لم يجد مهاجمًا يتحرك بذكاء، ولا فائدة من محور دفاعي إذا كان الفريق يفقد المساحات بسبب سوء التمركز، ولا فائدة من لاعب وسط قوي إذا ظل الفريق بلا هوية لعب.
على الورق، تعاقدات دوالا وموريسون وتراوري تبدو واعدة لأنها تمس قلب الفريق لا أطرافه. المريخ اختار أن يبدأ من الوسط، وهذه نقطة صحيحة فنيًا. لكن الحكم الحقيقي لن يكون في يوم الإعلان، ولا في عبارات الترحيب، بل في شكل الفريق داخل الملعب: هل سيصبح أكثر توازنًا؟ هل سيصنع فرصًا أكثر؟ هل سيقل عدد الهجمات المرتدة عليه؟ هل سيفرض شخصيته في المباريات القارية؟
هذه الصفقات تفتح باب الأمل، لكنها لا تمنح الضمان. الضمان الوحيد هو أن تتحول الأسماء إلى منظومة، والمنظومة إلى أداء، والأداء إلى نتائج. عندها فقط يمكن القول إن المريخ لم يوقع مع لاعبين جدد فحسب، بل بدأ فعلًا في بناء فريق قادر على استعادة هيبته والمنافسة على البطولات.
صور من الخبر
1 صورة إضافية