قرار إدارة المريخ بالإبقاء على المدرب الصربي داركو نوفيتش لا يمكن التعامل معه كخطوة طبيعية نحو الاستقرار الفني، بل هو قرار يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تبحث الإدارة فعلاً عن بناء مشروع ناجح، أم أنها تكتفي بتجميل الفشل ومنحه اسماً مقبولاً أمام الجماهير؟
في كرة القدم، الاستقرار لا يعني بقاء المدرب مهما كانت النتائج، ولا يعني الدفاع عن تجربة لم تنجح في لحظة الحسم. الاستقرار الحقيقي يقوم على مشروع واضح، أداء متطور، شخصية قوية داخل الملعب، ونتائج تؤكد أن الفريق يسير في الطريق الصحيح. أما عندما يفقد فريق بحجم المريخ بطولة كانت في المتناول، ثم يتم الحديث بعد ذلك عن ضرورة استمرار المدرب، فإن الأمر لا يبدو استقراراً بقدر ما يبدو استمراراً في نفس المسار الخاطئ.
المريخ لم يخسر مباراة عادية، بل خسر بطولة بسيناريو قاسٍ. الفريق دخل مواجهة الهلال الأخيرة وهو يملك أفضلية واضحة، حيث كان التعادل كافياً للتتويج، بينما كان الهلال مطالباً بالفوز فقط. هذه الوضعية كانت تمنح المريخ أفضلية فنية ونفسية، لكنها في النهاية تحولت إلى عبء بسبب سوء إدارة المباراة وضعف قراءة اللحظة.
المدرب في مثل هذه المباريات لا يُقاس فقط بطريقة اللعب العامة، بل يُقاس بقدرته على إدارة التفاصيل الصغيرة. كيف يبدأ المباراة؟ كيف يمتص ضغط المنافس؟ متى يضغط؟ متى يهدئ الإيقاع؟ كيف يتعامل مع تحولات الخصم؟ وكيف يستخدم دكة البدلاء في التوقيت الصحيح؟ هذه هي الأسئلة التي تكشف قيمة المدرب في المباريات الكبيرة.
داركو نوفيتش لم ينجح في هذا الاختبار. المريخ ظهر مرتبكاً في لحظة كان يفترض أن يظهر فيها بشخصية البطل. لم يفرض أسلوبه، ولم يستفد من أفضليته الحسابية، ولم يتعامل مع المباراة بعقلية الفريق الذي يعرف كيف يحسم البطولات. الخسارة أمام الهلال لم تكن مجرد تعثر، بل كانت مؤشراً واضحاً على خلل فني في إدارة أهم مباراة في الموسم.
الأخطر من الخسارة نفسها هو طريقة التعامل معها. عندما تفقد بطولة كانت بين يديك، يجب أن تكون هناك مراجعة صارمة، لا خطاب ناعم عن الاستقرار الفني. الجماهير لا تحتاج إلى عبارات عامة، بل تحتاج إلى إجابات واضحة. ما الذي قدمه المدرب ليستحق الاستمرار؟ ما هي علامات التطور؟ أين ظهرت شخصية الفريق؟ كيف خسر المريخ مباراة كان التعادل فيها يكفيه؟ وما الضمان ألا يتكرر نفس المشهد في الموسم القادم؟
المشكلة ليست في داركو وحده. الإدارة تتحمل مسؤولية مباشرة لأنها هي من اختارت المدرب، وهي من تقيّم عمله، وهي من تقرر استمرار التجربة أو إيقافها. لذلك فإن قرار الإبقاء عليه لا يعبر فقط عن موقف فني، بل يكشف طريقة تفكير إدارية تتعامل مع الإخفاق وكأنه تفصيل يمكن تجاوزه.
في الأندية الكبيرة، لا يكفي أن تقول الإدارة إن المدرب يعمل في ظروف صعبة. كل أندية السودان تعمل في ظروف معقدة، وكل الفرق تواجه أزمات إدارية ومالية وتنظيمية. الفارق تصنعه القرارات الفنية، وشخصية الفريق، وقدرة الجهاز الفني على استثمار الإمكانات المتاحة. المريخ لا يحتاج إلى أعذار، بل يحتاج إلى مشروع يقوده نحو البطولات.
لو كان قرار استمرار داركو مبنياً على رؤية فنية حقيقية، فعلى الإدارة أن تعلن ملامح هذه الرؤية بوضوح. ما هو شكل الفريق في الموسم القادم؟ ما هي خطة التعاقدات؟ كيف ستُعالج مشاكل الوسط والدفاع والهجوم؟ ما هي المعايير التي سيُحاسب بها المدرب؟ وما الحد الأدنى المقبول من النتائج؟ أما أن يستمر المدرب دون شروط واضحة، فهذا لا يسمى مشروعاً فنياً، بل مجازفة جديدة على حساب المريخ.
الاستقرار الفني لا يعني مكافأة الفشل. المدرب الذي يفشل في حسم بطولة كانت قريبة لا يمكن أن يحصل على تفويض مفتوح دون محاسبة. قد يستمر، لكن استمراره يجب أن يكون مشروطاً بمراجعة فنية حقيقية، وببرنامج واضح، وبأهداف محددة، لا بمجرد رغبة إدارية في تجنب التغيير.
المريخ نادٍ كبير، وجماهيره لا تقبل أن يتحول النادي إلى مساحة للتجارب المفتوحة. الفريق يحتاج إلى عقلية بطولة، لا إلى خطاب يبرر الإخفاق. يحتاج إلى مدرب يعرف كيف يفوز في المباريات الكبيرة، لا إلى مدرب يخسر عندما يصل الامتحان الحقيقي. ويحتاج قبل ذلك إلى إدارة تملك الجرأة على الاعتراف بالأخطاء، لا إدارة تعيد إنتاج نفس الأخطاء تحت عنوان الاستقرار.
استمرار داركو نوفيتش، إذا لم تصاحبه مراجعة حقيقية وشروط فنية صارمة، لن يكون استقراراً فنياً، بل استمراراً للفشل. والمريخ لا يحتاج إلى من يجمّل الخسارة، بل يحتاج إلى من يوقف أسبابها من الجذور.